ama

الأكثر قراءة

آراء

أربع ساعات من العذاب

  • الكاتب: حلمي الاسمر

  • الإثنين, 22 أيار 2017

أمضيت نحو أربع ساعات في التجوال في مواقع الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، وهالني مدى التخبط الذي نعيشه في المشهد العربي، وضياع البوصلة على نحو لم يسبق له مثيل، وأظن أنه لم يحدث أن عشنا مثل هذا الحال من الاختلاف والشقاق منذ زمن بعيد، فقد بدا لي الوعي الجمعي العربي لوحة مليئة بالأخاديد العميقة، التي تجعل من المشهد الواحد لوحة سوريالية من الصعب فك طلاسمها، وكأن من رسمها كان يعاني من حالة هلوسة وفصام ورهاب، وربما اجتمعت في رأسه كل الأمراض النفسية المعروفة وغير المعروفة بعد، ولا يستثنى من حالة التشظي هذه، وضبابية الرؤية اتجاه أو لون فكري من ألوان الطيف المنتشرة في بلاد العرب، فالكل يحارب الكل، وينتقده ويشرحه ويلعنه، والكل مشتبك مع الكل، بل إن الواحد (غير الصحيح!) مشتبك مع ذاته، تارة يلعنها وأخرى تلعنه، أو تلعقه، لا فرق، وثمة حالة هلامية من انسياب الأفهام والمعاني والتشخيصات، حيث يختلط الخاص مع العام، والأعم مع الأكثر خصوصية، وفي لحظة ما، بعد تلك الرحلة من الإبحار في تلك العوالم، تشعر بحاجة ماسة للإنكماش على نفسك، ومغادرتها بعيدا جدا إلى داخلك، حيث تختفي تماما، ولا تكاد تسمع شيئا غير نبض قلبك، لعلك تستعيد شيئا من توازنك الإنساني!

-2-
بعيدا عن تلك الفوضى العارمة، تعجب من كمية التناغم الوفيرة التي تعيشها المخلوقات الأخرى حولك من غير بني البشر، نباتا أو حيوانات أو حتى جمادات، فكل شيء يتحرك بإيقاع منتظم، نبتة البندورة التي زرعها صاحبك في حديقة منزله، تواصل نموها المضطرد بهدوء وسكينة، وتلك الحشرات الصغيرة تواصل تهويمها حول الضوء ليلا، والنحل ماض في عمله الدؤوب في لم الرحيق، أما أسراب النمل فهي منهمكة بجمع مؤونة الشتاء في طرقات ومسارب تشق طريقها بحماس لا مثيل له، وحتى تلك الكلاب الضالة في البرية تتقافز بعبث وتمارس حياتها الجنسية بدون أي احتياطات من خجل أو تعقيد، وأنى قلبت بصرك ترى انسجام الكل مع الكل في الطبيعة، على النحو المغاير تماما في حياة البشر، خاصة نحن في بلاد الشرق العاثرة المتعثرة!
-3-
حين تقارن بين تلك الحالين، تتوق للانضمام لقبيلة «الأشياء» لتكون جزءا منها، نحلة أو نملة أو طائرا أو حجرا، (ليت أم عمر لم تلد عمرا!) ولكن أنى لك هذا، فأنت أمام خيار واحد فقط: أن تكون أنت فقط، بني آدم تسعى بين الناس، وتعايشهم، وتقرأهم وتكتبهم، وتحاول ان تنير لهم ولو بضوء شمعة، أو كلمة، وفي الأثناء تأوي إليك كلما تسنى لك الأمر لتستمع لنبض قلبك، لتشعر ببعض السكينة، في تلك «الكبسولة» الافتراضية التي تحا ول أن تبنيها حولك، كشرنقة دودة القز!
-4-
قلة قليلة من الناس من تحاول أن «تنسلخ» عن الخوض فيما يخوض فيه الجمهور، وتجهد بأدوات بسيطة في مقاومة تيار الفوضى، هذه القلة تعلم أن تلك الحالة المرضية التي تعاني منها الأمة لا يمكن أن تستمر، لأن الجسد الحي يحمل مضاداته الحيوية في جسمه، ونحن أمة حية، تستعصي على الفناء، والعين الفاحصة، رغم اشتباك الكل مع الكل، لا تخطىء رؤية نمو وعي جنيني في طبقات العقل الجمعي الباطن، يؤشر للحظة انبجاس فهم رائق راق، قد يتحول في لحظة ما إلى سيل جارف يأخذ في طريقه كل هذا العفن من مخلفات الزمن الحاضر، شأنه في ذلك شأن المطر الغزير الذي يصيب الأرض بعد موسم خصب، فيعيد لها بهاءها ،ولكنها مسألة وقت فقط، والقادم أجمل دائما!
 الدستور